الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

228

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تحت طيّ الخفاء من دقائق التكوين ، فبهذا الشعور الإجمالي بها وقع عدّها في ضمن الاعتبار بآية خلق الأزواج من جميع النواحي . وإذا حمل الْأَزْواجَ في قوله : سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها على المعنى الثاني لهذا اللفظ وهو إطلاقه على الأصناف والأنواع المتمايزة كما في قوله : فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى [ طه : 53 ] كانت مِنْ في المواضع الثلاثة بيانية ، والمجرور بها في فحوى عطف البيان ، أو بدل مفصل من مجمل من قوله : الْأَزْواجَ * والمعنى : الأزواج كلها التي هي : ما تنبت الأرض ، وأنفسهم ، وما لا يعلمون . ويدل قوله وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ على محذوف تقديره : وما يعلمون ، وذلك من دلالة الإشارة . فخص بالذكر أصناف النبات لأن بها قوام معاش الناس ومعاش أنعامهم ودوابهم ، وأصناف أنفس الناس لأن العبرة بها أقوى ، قال تعالى : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ الذاريات : 21 ] . ثم ذكر ما يعمّ المخلوقات مما يعلمه الناس وما لا يعلمونه في مختلف الأقطار والأجيال والعصور . وقدم ذكر النبات إيثارا له بالأهمية في هذا المقام لأنه أشبه بالبعث الذي أومأ إليه قوله : وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ [ يس : 32 ] . وتكرير حرف مِنْ بعد واو العطف للتوكيد على كلا التفسيرين . وضمير أَنْفُسِهِمْ عائد إلى الْعِبادِ في قوله : يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ [ يس : 30 ] . والمراد بهم : المكذبون للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . [ 37 ] [ سورة يس ( 36 ) : آية 37 ] وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ ( 37 ) انتقال إلى دلالة مظاهر العوالم العلوية على دقيق نظام الخالق فيها مما تؤذن به المشاهدة مع التبصر . وابتدئ منها بنظام الليل والنهار لتكرر وقوعه أمام المشاهدة لكل راء . وجملة نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ تحتمل جميع الوجوه التي ذكرناها في جملة أَحْيَيْناها [ يس : 33 ] آنفا . والسلخ : إزالة الجلد عن حيوانه ، وفعله يتعدّى إلى الجلد المزال بنفسه على المفعولية ، ولذلك يقال للجلد المزال من جسم الحيوان : سلخ ( بكسر السين وسكون اللام ) بمعنى مسلوخ ، ولا يقال للجسم الذي أزيل جلده : سلخ . ويتعدّى فعل سلخ إلى الجسم الذي أزيل جلده بحرف الجر ، والأكثر أنه ( من ) الابتدائية ، ويتعدى بحرف ( عن ) أيضا لما في السلخ من معنى المباعدة والمجاوزة بعد الاتصال . فمفعول نَسْلَخُ هنا هو